يشرح الكاتب إبراهيم كاراتاش رؤية أنقرة للحرب الجارية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حيث يسعى الطرفان إلى إضعاف النظام الإيراني وتدمير بنيته العسكرية، بما يشمل قدراته التسليحية الحالية والمحتملة. توقع بعض المراقبين في بداية الحرب أن يؤدي الضغط العسكري إلى اضطرابات داخلية في إيران وربما إلى تغيير النظام، لكن التطورات الأولى للصراع لم تدعم هذا الاحتمال، إذ لم ينتفض المجتمع الإيراني ضد الحكومة كما توقع البعض. لذلك يبدو الهدف الواقعي للحرب الآن هو فرض حالة من الضعف الاستراتيجي على إيران تدفعها في النهاية إلى قبول شروط واشنطن وتل أبيب.


يشير تحليل نشره ميدل إيست كاونسل إلى أن نتيجة الحرب ما تزال غير واضحة، كما لا يعرف أي طرف سيضطر إلى التراجع أولًا مع تصاعد تكاليف الصراع، رغم أن إيران تبدو أكثر عرضة للخسائر. لكن المؤكد أن الحرب بدأت بالفعل في إنتاج آثار خطيرة على الدول المجاورة، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.


مخاوف أمنية من تفكك إيران


لم تتعرض تركيا حتى الآن لضربات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، باستثناء صاروخ إيراني قيل إنه عبر أجواء ولاية هاتاي جنوب البلاد قبل أن تعترضه منظومة دفاع جوي تابعة لحلف الناتو. وبعد تحذير أنقرة لطهران من استهداف قواعد الحلف داخل الأراضي التركية، نفت السلطات الإيرانية إطلاق صواريخ نحو تركيا.


تعارض الحكومة التركية بشدة الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لكن هذا الموقف لا يعكس تقاربًا سياسيًا مع طهران. في الواقع تفضّل أنقرة وجود إيران أضعف وأكثر انشغالًا بحدودها الداخلية. تشعر تركيا، مثل دول أخرى في المنطقة، بالقلق منذ سنوات من محاولات إيران توسيع نفوذها عبر تنظيمات شيعية مسلحة تعمل بالوكالة. استخدمت هذه الجماعات العنف لتحقيق أهداف طهران الاستراتيجية، كما حدث في سوريا حيث ساهمت الميليشيات المدعومة من إيران في تعميق عدم الاستقرار الإقليمي الذي انعكس أيضًا على تركيا.


مع ذلك يركز القلق التركي اليوم على احتمال أن تضر نتائج الحرب بتركيا أكثر من الدول التي تخوض القتال مباشرة. تخشى أنقرة أن تتحول إلى أحد الخاسرين غير المباشرين في صراع لا تشارك فيه فعليًا.


أخطر هذه المخاوف يتعلق بإمكانية تفكك الدولة الإيرانية على أسس عرقية أو طائفية. إذا فقدت طهران السيطرة على أجزاء من أراضيها أو انهارت مؤسساتها، قد يندلع صراع أهلي بين جماعات متعددة تشمل الفرس والأذريين والأكراد واللور والبلوش والتركمان والعرب. بالنسبة لتركيا يمثل احتمال تنشيط التنظيمات الكردية المسلحة في مثل هذا السيناريو تهديدًا بالغ الخطورة.


تهديد التنظيمات الكردية واحتمال تدخل عسكري


قد تسعى جماعة حزب الحياة الحرة الكردستاني، الذراع الإيرانية لحزب العمال الكردستاني، إلى استغلال الفوضى المحتملة داخل إيران. يعتقد مسؤولون أتراك أن هذه الجماعة قد تتلقى دعمًا خارجيًا من الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم إعلان حزب العمال الكردستاني مؤخرًا نيته حل نفسه، فإن هذا المسار لم يكتمل بعد.


نجحت تركيا خلال السنوات الأخيرة في ممارسة ضغوط قوية على الفرع السوري للحزب، أي وحدات حماية الشعب، خاصة عبر دعم الحكومة المركزية في سوريا. لكن أنقرة تخشى أن يفتح عدم الاستقرار في إيران ساحة جديدة لنشاط التنظيمات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.


في هذا السيناريو قد تضطر تركيا بعد انتهاء العمليات الأمريكية والإسرائيلية إلى التدخل عسكريًا لملاحقة مقاتلي حزب الحياة الحرة الكردستاني عبر الحدود الإيرانية، ما يعني مواجهة حزب العمال الكردستاني مرة أخرى ولكن في جغرافيا مختلفة.


أزمة لاجئين وضغوط اقتصادية


تثير الحرب أيضًا مخاوف تركية كبيرة من موجة لجوء جديدة. إذا اندلعت حرب أهلية في إيران، قد يحاول ملايين الأشخاص الهروب إلى الدول المجاورة. تستضيف تركيا بالفعل أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمهاجرين من أفغانستان والعراق وسوريا، خصوصًا السوريين الذين يبلغ عددهم نحو خمسة ملايين.


في ظل الظروف الاقتصادية الحالية يصعب على الدولة التركية استيعاب موجة نزوح جديدة بهذا الحجم. وحتى إذا تمكنت من ذلك، قد تترتب عواقب سياسية خطيرة، إذ ارتفعت المشاعر المعادية للمهاجرين داخل المجتمع التركي، بما في ذلك بين بعض أنصار الحكومة. لذلك قد تؤثر أزمة هجرة جديدة على الاستقرار الداخلي والانتخابات المستقبلية.


تعزز التجارب التاريخية هذه المخاوف. خلال حرب الخليج الأولى والثانية استقبلت تركيا أعدادًا كبيرة من اللاجئين العراقيين، كما أدى انهيار السلطة في شمال العراق إلى إنشاء حزب العمال الكردستاني قواعده في جبال قنديل التي انطلق منها لمهاجمة القوات التركية. لا تزال تلك المناطق تشكل أحد أهم معاقل الحزب حتى اليوم.


كما خلقت الحرب الأهلية السورية تحديًا أمنيًا وإنسانيًا ضخمًا لتركيا، إذ دخل ملايين السوريين إلى أراضيها، بينما سيطرت وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمال الكردستاني على نحو ثلث الأراضي السورية، وشن تنظيم داعش هجمات داخل سوريا وتركيا. دفعت هذه التطورات الجيش التركي إلى تنفيذ عدة عمليات عسكرية في شمال سوريا.


توتر متصاعد مع إسرائيل


يشكل الرأي العام عاملًا آخر في النظرة التركية إلى الصراع. ينظر كثير من الأتراك إلى الحرب ليس فقط كصراع جيوسياسي بل أيضًا من زاوية دينية، خاصة مع استخدام بعض الأطراف خطابًا يتضمن إشارات مثل “الأرض الموعودة” أو “هرمجدون”. لذلك ينتشر الاعتقاد لدى شريحة واسعة من المجتمع بأن الحرب قد تستهدف العالم الإسلامي الأوسع وليس إيران فقط، ما يعزز الانتقادات الموجهة للولايات المتحدة وإسرائيل.


ازدادت العلاقات التركية الإسرائيلية توترًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 وتصاعد الانتقادات التركية لسياسات إسرائيل في غزة. يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن تركيا قد تشكل تحديًا استراتيجيًا أكبر من إيران في المستقبل بسبب قدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية المتطورة.


من جانبها تؤكد أنقرة أنها لا تشكل تهديدًا لأي دولة ما لم تتعرض أمنها المباشر للخطر، لكنها تراقب التطورات بجدية. يعتقد بعض المحللين أن أي مواجهة محتملة بين إسرائيل وتركيا قد تعتمد على ضربة استباقية مفاجئة، شبيهة بالعمليات التي نفذتها إسرائيل ضد خصوم آخرين في المنطقة.


في النهاية يظل مسار الحرب مع إيران عاملًا حاسمًا في تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية. إذا استطاعت إيران إطالة أمد الصراع وفرض كلفة كبيرة على خصومها، قد تتردد إسرائيل في مواجهة قوة إقليمية أخرى مثل تركيا. أما إذا ضعفت إيران سريعًا بدعم أمريكي مباشر، فقد تجد أنقرة نفسها أمام بيئة أمنية أكثر غموضًا. لذلك تتابع تركيا الحرب بحذر شديد وتستعد لمختلف السيناريوهات التي قد تظهر بعد انتهائها.

 

https://mecouncil.org/blog_posts/how-does-turkiye-view-the-u-s-israel-war-on-iran/